السيد محمدحسين الطباطبائي
23
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
القصص واضح لا ينكر ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كلّ معنى مقصود إلّا واحد لا غير . قلت : هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف ، ومعنى الصرف أنّ الإتيان بمثل القرآن أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدّي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون ، ولكن لا لكون التأليفات الكلاميّة التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوّة البشريّة ، مع كون التأليفات جميعا أمثالا لنوع النظم الممكن للإنسان ، بل لأنّ اللّه سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الإلهيّة الحاكمة على إرادة الإنسان حفظا لآية النبوّة ووقاية لحمي الرسالة . وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدلّ عليه آيات التحدّي بظاهرها كقوله : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ « 1 » ، الآية ، فإنّ الجملة الأخيرة ظاهرة في أنّ الاستدلال بالتحدّي إنّما هو على كون القرآن نازلا لا كلاما تقوّله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإنّ نزوله إنّما هو بعلم اللّه لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ « 2 » ، وقوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ . وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ « 3 » ، والصرف الذي يقولون به إنّما يدلّ على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف ، لا على كون القرآن كلاما للّه نازلا من عنده ، ونظير هذه الآية الآية الأخرى ، وهي قوله : قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 4 » ، الآية ، فإنّها ظاهرة في أنّ الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على
--> ( 1 ) هود - 13 و 14 . ( 2 ) الطور - 34 . ( 3 ) الشعراء - 212 . ( 4 ) يونس - 39 .